بري .. الواجهة المعتدلة لراديكالية "حزب الله"

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
عندما أطلق الامام موسى الصدر في اعوام الستينات من القرن الماضي حركة افواج المقاومة اللبنانية «أمل» اصيبت القيادات الشيعية التقليدية، او ما يسمّى بالبيوتات الشيعية السياسية التي احتكرت التمثيل الشعبي الشيعي طول عقود من الزمن، مثل آل الاسعد، والزين والخليل، وعسيران وحماده وبيضون، بنوع من الخشية او النقزة من ان تجتاح شخصية الامام الصدر واهتماماته وخطابه البعيد عن المألوف والمتداول في خطاب هذه القيادات واهتماماتهم، الشعبيات القوية المتوارثة لهذه البيوتات، وخلق قيادات جديدة شابّة تحمل الحداثة و التوحّد والتضامن بين جماهير الطائفة الشيعية المنقسمة بحدة عند الزعماء الشيعة التقليديين. 
 
ويذكر اللبنانيون مواجهات عدة سياسية وغير سياسية حصلت بين الامام المغيّب وبين عدد من هذه القيادات، كما يتذكرون ايضا ان خشية الزعماء التقليديين لم تأت من العدم او من الاوهام، لأن الحرب في لبنان رفعت حركة «أمل» بقيادة الصدر الى المرتبة الاولى من حيث التأثير، لا في الموقف الشيعي وحسب، بل ايضا في الموقف اللبناني الوطني، وذابت عمليا شعبيات القيادات التقليدية في شعبية واحدة هي شعبية الامام الصدر، حتى ما بعد خطفه وتغييبه في ليبيا، الى ان ظهرت الانقسامات التي شهدتها حركة أمل، وانسحاب بعض القيادات، وكان ابرز هذه الانقسامات، خروج «حزب الله» في العام 1982 من رحم الحركة وتشكيل تنظيم راديكالي متشدد يتعارض في العمق مع مبادئ «حركة أمل» باستثناء أمر اساسي وهام، هو عداء التنظيمين لاسرائيل، مع فارق اساسي ان الامام الصدر حرص على ان تكون مقاومة اسرائيل مقاومة لبنانية بالكامل، لذلك اطلق على حركته اسم «افواج المقاومة اللبنانية» في حين ان «حزب الله» الملتزم بمبدأ ولاية الفقيه، اطلق على جناحه العسكري اسم «المقاومة الاسلامية في لبنان» انطلاقاً من التزامه وخصوصية تحالفه مع جمهورية ايران الاسلامية القائمة ايضا على مبدأ ولاية الفقيه، والتي كانت تخطط منذ ذلك الوقت لاقتحام العالم العربي. 
 
* * * *
«حركة امل» اذن التي تمكنت من تغييب القيادات الشيعية التقليدية سياسياً وشعبياً ونيابياً، وحققت ما كانت تخشاه هذه القيادات، لم تتمكن من مواجهة دينامية حزب الله ونموّ قدراته الشعبية والعسكرية والمالية، ما اضطرها الى التحالف معه بعد مواجهات دموية واسعة في مناطق الضاحية الجنوبية والجنوب وبيروت والبقاع، كانت نتائجها عموماً في صالح «حزب الله» فتدخلت سوريا وايران مع رئيس حركة أمل نبيه بري وامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وفرضتا عليهما تفاهماً سياسياً وانتخابياً، كانت نتيجته ان الحزب بدأ يقضم شيئاً فشيئاً شعبية الحركة التي تحوّلت الى الواجهة المعتدلة لراديكالية حزب الله، لتكون معبره الى الطوائف الاخرى عندما تدعو الحاجة الى ذلك، ولذلك كان الحزب يحرص على عدم قبول ترشّح مطلق شيعي في وجه الرئيس بري، ما دام بري ملتزما بما تم التوافق عليه، ولكن ما فات الحزب والحركة، انهما وقعا في محظور ما كانا يرفضانه عند القيادات الشيعية التقليدية، وتحوّل عدد من القيادات الرموز في التنظيمين الى قيادات تقليدية لا تعرف تداول السلطة في حياتها التي نرجو ان تكون مديدة، واصبح بالتالي من حق البيوتات السياسية الشيعية ان تسأل عن الحالة التي وصل اليها الشيعة في لبنان وهل هي التي نادى بها السيد موسى الصدر وعمل من اجلها؟ 
 
* * * *
 في الشكل، نجح الرئيس نبيه برّي في ان ينتخب رئيساً لمجلس النواب في دورتين متتاليتين لا يملك فيهما التكتل المعارض الذي ينتمي اليه، اكثرية نيابية وذلك في العامين 2005 و2009 وهذا امر لم يحدث ربما في اي مجلس نيابي في العالم، ولكن في المضمون، لم يكن مذاق هذا النجاح وطعمه في هذه الدورة، بمثل ما كانا عليه في الدورات السابقة، ومرة اخرى سقط تكتل الثامن من آذار في التقديرات الغلط التي كانت تؤكد ان بري سيفوز بأكثرية لن تقل عن المائة صوت، حيث تبيّن ان موقف اكثرية النواب المسيحيين في تكتل 14 آذار الذي قاده حزبا القوات اللبنانية والكتائب، قد انتج 28 ورقة بيضاء تذكّر الرئيس بري بالاخطاء التي ارتكبها اثناء ولايته السابقة، وتبرهن مرة جديدة ان مسيحيي تكتل 14 آذار يأخذون مواقفهم بما ينسجم مع اقتناعاتهم وثوابتهم دون ان يعني ذلك انهم على خلاف او تباعد مع حلفائهم الآخرين، خصوصاً ان تحالفهم الوثيق انتج هيئة مجلس نوعية باعضائها ممن يعتبرون ضمن مجموعة الصقور في 14 آذار، واذا كان الرئيس برّي يمني النفس بولاية اخرى في العام 2013، ويؤكد ان من اقترع بأوراق بيض اليوم سوف يقترعون له في الدورة المقبلة، فأغلب الظن انه يبعث برسالة طالما اشتاق اللبنانيون الى سماعها، تقول انه سيكون في هذه الدورة رئيساً حقيقياً لمجلس النواب، وليس رأس حربة تعطيلية في تكتل 8 آذار، هذا اذا حسنت النيّات وصدقت الظنون.
 
فؤاد ابو زيد
الديار
No votes yet